السيد محمد تقي المدرسي

285

من هدى القرآن

مَا قُلْتَ فِي الِاثْنَيْنِ حَتَّى تَكُونَ بَيْنَهُمْ فُرْجَةٌ فَيَكُونُوا خَمْسَةً ثُمَّ يَتَنَاهَى فِي الْعَدَدِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْكَثْرَةِ ] « 1 » . هذا من الناحية العقلية ، أما من الناحية النفسية فإنَّ فكرة تعدد الآلهة جاءت لتعكس حالة التبرير والصراع عند البشر ، ذلك أن الأساطير التي تتحدَّث عن تعدد الآلهة وإن كانت خرافة وبعيدة عن الحق والحقيقة إلا أنها تمثل انعكاساً لنفسية واضعيها والمعتقدين بها ، لذلك فباستطاعتنا أن نكتشف من خلالها طبيعة البشر عبر الآزمنة المختلفة ، ونصل إلى قناعة بأنه وإن تغيرتْ صورة الإنسان وأشكال حياته فإنَّ طبيعته لم ولن تتغير . والأساطير دائماً تقص علينا قصص الآلهة المزعومة وهي تقاتل بعضها أو لا أقل تتنافس مع بعضها في السلطة وتقر بأن كل إله له تفكير وإرادة يختلف تماماً عن شركائه الآخرين . مثلًا يزعم المجوس وجود إلهين كبيرين هما : ( أهور مردا ) إله الخير و ( أهريمن ) إله الشر ، و ( أهريمن ) خلق الشر ، فخلق ( أهور مردا ) الخير مضاداً له ، والصراع قائم بينهما . وفي بعض المذاهب المسيحية المنحرفة نرى هذه الأسطورة أيضاً ، وهي أن الأب يريد أن يعذب الناس ، فيأتي الابن ويشفع لهم رغماً عن أبيه ! . وفي الأساطير اليونانية القديمة كثيراً ما نقرأ عن معارك طاحنة تجري بين الآلهة في السماء . ومن هنا نعرف أن فكرة تعدد الآلهة نابعة من حالة الفرار عن المسؤولية والبحث عن ملجأ موهوم يخلص الفرد من ثقل الجزاء ، وأن الزعم بتعدد الآلهة يعكس حالة الصراع الداخلي بين الشهوات والعقل ويأتي لتبرير الشهوات التي تأمر بها النفس الأمارة أمام العقل الناهي عنها أو النفس اللوامة . إن كل ذلك دليل على أنه إذا كان الآلهة متسالمين مع بعضهم البعض إذا لم تكن هذه الحاجة المزعومة إلى الآلهة المتعددة ، لأنَّ احتياج الإنسان المزعوم للاعتقاد بتعدد الآلهة ينعدم آنئذ . لذلك نرى القرآن الحكيم يبين بأن فكرة تعدد الآلهة المنعكسة عن تناقض الذات ، والتي تعتقد بأن في السماوات والأرضين آلهة متصارعة إنما هي فكرة خاطئة لأنَّ وجود سلطات متصارعة في الكون يؤدي لفساد واختلال نظام الموجودات . فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ رب العرش رمز لإله السماوات والأرض وكل شيء ، والعرش يعني القدرة والهيمنة ، وليس هو مكان يجلس عليه ربنا سبحانه وتعالى ، ولعلَّ

--> ( 1 ) التوحيد للشيخ الصدوق : ص 243 .